فصل: تفسير الآيات (65- 69):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (64):

{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}
{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} اختلفوا في هذه البشرى: رُوي عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا}، قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له».
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».
وقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرزاق بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: يا رسول الله الرجل يعمل لنفسه ويحبه الناس؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن». وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن أبي عمران، وقال: «ويحمده الناس عليه»..
وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت، قال الله تعالى: {تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت- 30].
وقال عطاء عن ابن عباس: البشرى في الدنيا، يريد: عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يُعْرَجُ بها إلى الله، ويُبشَّر برضوان الله.
وقال الحسن: هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، كقوله: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة- 25]، {وبشر المؤمنين} [الأحزاب- 47] {وأبشروا بالجنة} [فصلت- 30].
وقيل: بشَّرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة.
{لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} لا تغيير لقوله، ولا خُلْفَ لوعده. {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

.تفسير الآيات (65- 69):

{وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69)}
{وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} يعني: قول المشركين تَمَّ الكلام هاهنا ثم ابتدأ، فقال: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ} يعني الغلبة والقدرة لله {جَمِيعًا} هو ناصرك، وناصر دينك، والمنتقم منهم.
قال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعا يعني: أن الله يعز من يشاء، كما قال في آية أخرى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون- 8]، وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله.
{هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
{أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} هو استفهام معناه: وأي شيء يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟
وقيل: وما يتبعون حقيقة، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا، وليس على ما يظنون. {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} يظنون أنها تُقَرِّبهم إلى الله تعالى، {وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} يكذبون.
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} مضيئا يبصر فيه، كقولهم: ليل نائم وعيشة راضية. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر، أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سمعَ الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر.
{قَالُوا} يعني: المشركين، {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} وهو قولهم الملائكة بنات الله، {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} عن خلقه، {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} عبيدا وملكًا، {إِنْ عِنْدَكُمْ} ما عندكم، {مِنْ سُلْطَانٍ} حجة وبرهان، و{من} صلة.
{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} لا ينجون، وقيل: لا يبقون في الدنيا ولكن:

.تفسير الآيات (70- 72):

{مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)}
{مَتَاعٌ} قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم: و{متاع} رفع بإضمار، أي: هو متاع، {فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}.
قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أي: اقرأ يا محمد على أهل مكة خبر نوح {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} وهم ولد قابيل، {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ}عَظُم وثقل عليكم، {مَقَامِي} طول مكثي فيكم {وَتَذْكِيرِي} ووعظي إياكم {بِآيَاتِ اللَّهِ} بحججه وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} أي: أحكموا أمركم واعْزِمُوا عليه، {وَشُرَكَاءَكُم} أي: وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم، فاستعينوا بها لتجتمع معكم.
وقال الزجاج: معناه: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك مع انتصب. وقرأ يعقوب: {وشركاؤكم} رفع، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم.
{ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي: خفيا مبهما، من قولهم: غَمَّ الهلال على الناس، أي: أشكل عليهم، {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} أي: أمضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه.
وقيل: معناه: توجَّهوا إليّ بالقتل والمكروه.
وقيل فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: {فاقض ما أنت قاض} [طه- 72]، أي: اعمل ما أنت عامل.
{وَلا تُنْظِرُونِ} ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن نوح أنه كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علمًا منه بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله.
{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن قولي وقبول نصحي، {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} على تبليغ الرسالة والدعوة، {مِنْ أَجْرٍ} جُعْل وعِوَض، {إِنْ أَجْرِيَ} ما أجري وثوابي، {إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي: من المؤمنين. وقيل: من المستسلمين لأمر الله.

.تفسير الآيات (73- 78):

{فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)}
{فَكَذَّبُوهُ} يعني نوحا {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ} أي: جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} أي: آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا.
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا} أي: من بعد نوح رسلا. {إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} بالدلالات الواضحات، {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} أي: بما كذب به قوم نوح من قبل، {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} أي: نختم، {عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}.
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يعني: أشراف قومه، {بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ} يعني: جاء فرعون وقومه، {الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ}.
{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا} تقدير الكلام: أتقولون للحقِّ لما جاءكم سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه. {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}.
{قَالُوا} يعني: فرعون وقومه لموسى، {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} لتصرفنا. وقال قتادة: لتلوينا، {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ} الملك والسلطان، {فِي الأرْضِ} أرض مصر. وقرأ أبو بكر: {ويكون} بالياء، {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} بمصدقين.

.تفسير الآيات (79- 83):

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)}
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}.
{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: {آلسحر} بالمدّ على الاستفهام، وقرأ الآخرون بلا مدٍّ، يدل عليه قراءة ابن مسعود {ما جئتم به سحر} بغير الألف واللام. {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}.
{وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} بآياته، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى} لم يصدِّق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، {إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} اختلفوا في الهاء التي في {قومه}، قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه. قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء وبقي الأبناء.
وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم ناسٌ يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وماشطته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله.
وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من القتل، فنشؤوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غُلِبت السحرة.
قال الفراء: سُمّوا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يُقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن: الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.
{عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} قيل: أراد بفرعون آل فرعون، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، كما قال: {واسئل القرية} [يوسف- 82] أي: أهل القرية. وقيل: إنما قال: {وملئهم} وفرعون واحد؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، كما يقال: قَدِمَ الخليفة يُرادُ هو ومن معه. وقيل: أراد ملأ الذرية، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون. {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} أي: يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ} لمتكبر، {فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} المجاوزين الحدّ، لأنه كان عبدًا فادّعى الربوبية.

.تفسير الآيات (84- 87):

{وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)}
{وَقَالَ مُوسَى} لمؤمني قومه، {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}.
{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا، {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تُظهرْهُمْ علينا ولا تُهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغيانًا. وقال مجاهد: لا تعذبنا بعذابٍ من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق لما عُذِّبوا ويظنوا أنهم خير منّا فيُفتتنوا.
{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} هارون، {أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} يقال: تَبَوَّأ فلان لنفسه بيتا ومضجعا إذا اتخذه، وبوأته أنا إذا اتخذتُه له، {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم، وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون، هذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس.
وقال مجاهد: خاف موسى ومَنْ معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأُمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًّا. معناه: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة.
وروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قِبْلَةَ موسى ومَنْ معه.
{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يا محمد.